41 – 56 هـ · الحجاز والشاممن الخلافة إلى الوراثة
صالح الحسنُ بن علي معاويةَ بن أبي سفيان سنة 41 للهجرة حقناً لدماء المسلمين، فسُمّي ذلك العام «عام الجماعة». وتوفي الحسن في المدينة نحو سنة 50 هـ مسموماً، ويروي ابن سعد والبلاذري أن زوجته جعدة بنت الأشعث هي التي سقته السم، وينقل البلاذري أن ذلك كان بتحريضٍ من معاوية، وإن شكّك بعض المؤرخين كابن كثير في هذه النسبة. وفي حدود سنة 56 هـ أخذ معاوية البيعة لابنه يزيد ولياً للعهد، فكانت أول مرة تنتقل فيها الخلافة من أبٍ إلى ابنه. ويذكر الطبري أن وفد أهل المدينة عاد من عند يزيد يقول إنه رجلٌ يشرب الخمر ويلعب بالكلاب ويترك الصلاة، ويصفه ابن كثير بأنه كان مقبلاً على الشهوات وشرب الخمر. وامتنع عن البيعة عددٌ من أبناء كبار الصحابة، في مقدمتهم مولاي الحسين بن علي عليه السلام وعبد الله بن الزبير.
رجب 60 هـ · المدينة«ومثلي لا يبايع مثله»
مات معاوية في رجب سنة 60 هـ، فكتب يزيد إلى والي المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان يأمره أن يأخذ البيعة من مولاي الحسين عليه السلام وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر أخذاً شديداً لا رخصة فيه. فبعث الوليد إلى مولاي الحسين عليه السلام ليلاً، فجاءه ومعه فتيةٌ من أهل بيته أوقفهم على الباب وقال لهم: إن سمعتم صوتي قد علا فادخلوا. وكان مروان بن الحكم جالساً عند الوليد، فنعى الوليدُ إليه معاوية ودعاه إلى البيعة ليزيد، فقال إن مثله لا يبايع سرّاً، وإن البيعة إن كانت فلتكن أمام الناس.
فقال مروان للوليد: إن فارقك الساعة ولم يبايع لم تقدر منه على مثلها أبداً، فاحبسه، فإن بايع وإلا ضربت عنقه. فوثب مولاي الحسين عليه السلام وقال: يا ابن الزرقاء، أنت تقتلني أم هو؟ كذبت والله وأثمت. ثم التفت إلى الوليد فقال:
«أيها الأمير، إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجلٌ فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحرّمة، معلنٌ بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون، أيّنا أحقّ بالخلافة».
ثم خرج، وأبى الوليد أن يأخذ بمشورة مروان، وقال إنه لا يحب أن يكون له ما طلعت عليه الشمس من مالٍ ومُلكٍ وأنه قتل مولاي الحسين عليه السلام.
وقد صاغ الأديب عبد الرحمن الشرقاوي هذا الموقف في مسرحيته الشهيرة «الحسين ثائراً»: يقول له الوليد إنهم لا يطلبون منه إلا كلمة واحدة يقولها ثم يمضي بسلام، فيردّ مولاي الحسين عليه السلام بأن الكلمة ليست أمراً هيّناً؛ فبكلمةٍ يدخل الإنسان الجنة، وبكلمةٍ يُلقى في النار، والكلمة نورٌ يهتدي به الناس، وحصنٌ للحرية، وأمانةٌ ومسؤولية، وشرف الرجل كلمته، فكيف يبيع كلمته ليزيد؟
وبعد ليلتين، في 28 رجب، خرج مولاي الحسين عليه السلام بأهله إلى مكة.
شعبان – ذو الحجة 60 هـ · مكة والكوفةرسائل الكوفة ومصير مسلم بن عقيل
أقام مولاي الحسين عليه السلام في مكة أشهراً، وتتابعت عليه كتب أهل الكوفة يدعونه للقدوم عليهم. فبعث ابن عمه مسلم بن عقيل، فكتب إليه مسلم أن ثمانية عشر ألفاً قد بايعوه. فولّى يزيدُ عبيدَ الله بن زياد على الكوفة، فشدّد على الناس حتى تفرّقوا عن مسلم وبقي وحيداً، فآوته امرأة اسمها طوعة، ثم دُلّ عليه فقاتل حتى أُسر، وقُتل فوق القصر يوم عرفة، ومعه هانئ بن عروة.
8 ذو الحجة 60 هـ · الخروج من مكة«لأن أُقتل خارجها أحبّ إليّ»
نصحه عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وغيرهما ألّا يخرج إلى العراق، لكنه خرج يوم التروية، وقال لابن الزبير — كما يروي الطبري — إنه لأن يُقتل خارج مكة أحبّ إليه من أن تُستحلّ به حرمتها. وفي الطريق بلغه خبر مقتل مسلم، فخطب فيمن لحق به من الأعراب وأذن لهم بالانصراف، فتفرّقوا، وبقي معه من خرج معه من الحجاز.
ذو الحجة 60 – 2 محرم 61 هـالحُرّ… والنزول بكربلاء
لقيه الحر بن يزيد الرياحي في ألف فارس، أُمروا أن يلازموه حتى يُقدِموه على ابن زياد، وكانوا قد أنهكهم العطش، فأمر مولاي الحسين عليه السلام أصحابه فسقوهم وسقوا خيلهم. وخطب مولاي الحسين عليه السلام في الطريق، فكان مما قال:
«ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه».
وسايره الحر حتى نزل في الثاني من محرم سنة 61 هـ أرضاً قرب الفرات تُعرف بكربلاء.
3 – 9 محرمالحصار والعطش
وصل عمر بن سعد بن أبي وقاص في أربعة آلاف، ثم أمدّه ابن زياد بالمزيد. وقبل المعركة بثلاثة أيام أمر ابن زياد أن يُحال بين مولاي الحسين عليه السلام وأصحابه والماء، فنزل خمسمئة فارس على شريعة الفرات. فخرج العباس بن علي ليلاً في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً، فاشتبكوا مع الحرس وعادوا بالقِرَب مملوءة. وجرت مفاوضات بين مولاي الحسين عليه السلام وعمر بن سعد لم تُثمر، ثم وصل شمر بن ذي الجوشن في التاسع من محرم بأمر ابن زياد: النزول على حكمه أو القتال.
ليلة العاشرالليلة الأخيرة
طلب مولاي الحسين عليه السلام مهلة ليلةٍ واحدة. وجمع أصحابه فأذن لهم بالانصراف، وقال إن هذا الليل قد غشيهم فليتخذوه ستراً، وإن القوم لا يطلبون غيره. فكان أول من ردّ عليه أخوه العباس، ثم أهل بيته، ثم أصحابه: مسلم بن عوسجة وسعد بن عبد الله وزهير بن القين، يأبون أن يتركوه. وباتوا ليلتهم يصلّون ويستغفرون ويدعون.
10 محرم 61 هـ · يوم عاشوراءيوم الوفاء
عبّأ مولاي الحسين عليه السلام أصحابه بعد صلاة الصبح، وكانوا اثنين وثلاثين فارساً وأربعين راجلاً، وخطب في الجيش يذكّرهم بنسبه من رسول الله. ثم أقبل الحر على معسكر مولاي الحسين عليه السلام نادماً، فقال له مولاي الحسين عليه السلام: أنت الحرّ كما سمّتك أمك، في الدنيا والآخرة. وقاتل الحر حتى قُتل.
وتساقط الأصحاب واحداً بعد الآخر: مسلم بن عوسجة، وحبيب بن مظاهر، وزهير بن القين. وعند الظهر ذكّره أبو ثمامة الصائدي بالصلاة، فصلّى بمن بقي معه صلاة الخوف والسهام تتساقط عليهم.
ظهر عاشوراءأهل البيت
ثم تقدّم بنو هاشم، وكان أول من قُتل منهم علي الأكبر ابن مولاي الحسين عليه السلام، ثم القاسم بن الحسن، وهو غلام وصفه شاهد عيان بأن وجهه كفلقة القمر. وقُتل العباس بن علي وإخوته من أمه أم البنين: عبد الله وعثمان وجعفر.
وجلس مولاي الحسين عليه السلام وفي حجره طفلٌ صغير له اسمه عبد الله، فرماه رجل من بني أسد بسهمٍ فذبحه، فتلقّى مولاي الحسين عليه السلام دمه بكفّه.
عصر عاشوراءالمصرع
بقي مولاي الحسين عليه السلام وحده يقاتل، يحمل على من حوله فينكشفون عنه. ثم أحاطوا به بقيادة شمر، فضربه زرعة بن شريك، وطعنه سنان بن أنس فسقط، واحتُزّ رأسه. ثم أمر عمر بن سعد عشرة فرسانٍ فداسوا جسده بخيولهم، ونُهبت الخيام. وكُفّ عن قتل ابنه علي ابن مولاي الحسين عليه السلام (زين العابدين) لمرضه. وكان عدد من قُتل مع مولاي الحسين عليه السلام اثنين وسبعين رجلاً.
ما بعد كربلاءزينب… والطريق إلى الأربعين
حُملت الرؤوس والنساء والأطفال إلى الكوفة. وفي مجلس ابن زياد، حين شمت بهم، ردّت عليه زينب بنت علي بثبات: إن الله أكرمهم بنبيّه، وإنما يُفتضح الفاسق لا هم. ثم سُيّروا إلى دمشق، وفي مجلس يزيد وقفت زينب في وجه رجلٍ من أهل الشام طلب إحدى بنات مولاي الحسين عليه السلام، وقالت إن ذلك ليس له ولا ليزيد. ثم أعادهم يزيد إلى المدينة.
ولم تسلم الكعبة نفسها في عهد يزيد؛ ففي سنة 64 هـ حاصر جيشه مكة بقيادة الحصين بن نمير، ورُميت الكعبة بالمنجنيق واحترقت، ثم جاء خبر موت يزيد فانصرف الجيش.
ودُفن مولاي الحسين عليه السلام حيث قُتل، فصار قبره مزاراً منذ ذلك الحين، وحوله نشأت مدينة كربلاء، واليوم يمشي إليها الملايين كل عام في ذكرى الأربعين.
الشيخ عبد الزهراء الكعبي خطيبٌ حسيني من كربلاء، وُلد سنة 1327 هـ في يوم ولادة السيدة فاطمة الزهراء فسُمّي باسمها. في العاشر من محرم سنة 1379 هـ (1959م) قرأ المقتل بجوار حرم مولاي الحسين عليه السلام، وبُثّ عبر إذاعة بغداد فسمعه الناس في العراق والخليج. ومنذ ذلك اليوم صار صوته جزءاً من صباح عاشوراء في كل بيت عراقي، حتى بعد رحيله بعقود، ولم يستطع أحد أن يقلّد طريقته.
النعي فنٌّ عراقي عريق لرواية مصيبة مولاي الحسين عليه السلام: سردٌ قصصي بلحنٍ حزين ومن دون أي آلة موسيقية، يمزج النثر العربي الفصيح بأبيات الرثاء الشعبية. غايته ليست الطرب، بل أن يعيش السامع الحدث كأنه حاضرٌ في كربلاء.
الفيديو يعرض المقتل كاملاً (ساعة ونصف) مع صورٍ حقيقية من كربلاء، ومترجماً إلى الإنكليزية والروسية لزوارنا من حول العالم.